اللاجئون: أمواج بشرية تبحث عن الكرامة الإنسانية

د. حسن المجمر

أعادت موجات اللاجئين السوريين في محاولاتهم الحثيثة عبور الحدود التركية تجاه اليونان الجدل من جديد حول تعريف اللاجئ، والحقوق التي يجب أن يتمتع بها، وماهية الالتزامات القانونية للدول.

ويتزايد هذا الجدل إذا ما وضعنا في الاعتبار الخلفية التاريخية المتعلقة بتأسيس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 1950، على إثر الحرب العالمية الثانية التي خلفت ملايين القتلى والمشردين داخل بلدانهم، أو الذين عبروا الحدود إلى بلدان أخرى.

وقد حُددت للمفوضية مهمة مقيدة بثلاث سنوات تقدم فيها المساعدة الإنسانية للضحايا، فنالت لقاء جهودها تلك جائزة نوبل للسلام في سنة 1954م.

لكن النزاعات المسلحة لم تتوقف، وتمددت آثارها الإنسانية عبر تدفقات الأعداد الهائلة من الضحايا في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، بفعل حروب التحرر الوطني من الاستعمار والصراع على السلطة والثروة.

دور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين:

تعتبر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين الوصي على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين 1951، التي عرفت اللاجئ، ووضحت حقوقه وواجباته في بلد اللجوء، كما بينت الالتزامات القانونية التي تقع على عاتق الدول الأطراف في الاتفاقية والدول التي تستقبل اللاجئين. وتقوم المفوضية بجهود كبيرة في حماية اللاجئين، وتنسيق وتقديم المساعدة، وتوفير المأوى، وسبل كسب الرزق، بما في ذلك طرح الحلول – العودة الطوعية وإعادة التوطين، ثم مراقبة امتثال الدول لنظام الحماية وتقديم النصائح لها.

الأوربيون هم أول من تمتع بصفة اللاجئ قبل أن يمنحوها للآخرين:

حسب اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع اللاجئين الموقعة في جنيف في 28 يوليو 1951م، فإن لفظ لاجئ يقصد به “كل شخص يوجد، بنتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951، وبسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو انتمائه إلي فئة اجتماعية معينة أو آرائه السياسية، خارج بلد جنسيته، ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يستظل بحماية ذلك البلد، أو كل شخص لا يملك جنسية ويوجد خارج بلد إقامته المعتادة السابق بنتيجة مثل تلك الأحداث ولا يستطيع، أو لا يريد بسبب ذلك الخوف، أن يعود إلي ذلك البلد”.

وتفسير الفقرة الثانية من المادة الأولى من الاتفاقية “أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951″، بأنها تعني “أحداثا وقعت في أوروبا قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951″، أو “أحداثا وقعت في أوروبا أو غيرها قبل 1 كانون الثاني/يناير 1951”.

ومن المعلوم بالضرورة في ذلك الوقت بأن معظم الدول الأطراف في الاتفاقية والدول المستقلة كانت في أوربا نفسها.

بروتوكول 1967 يوسع تعريف اللاجئ ونطاق حمايته ليشمل من يستحقونه حول العالم:

نظرا لاستمرار الحروب وظهور حالات لجوء جديدة ينطبق عليها التعريف الوارد في الاتفاقية والذي يقيد انطباق الصفة بأحداث وقعت قبل 1951، ودم منطقية حصرها زمانا ومكانا، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة البروتوكول الخاص بوضع اللاجئين، بموجب قرارها الصادر في 16 ديسمبر 1966. حيث حذف القيد الزماني والجغرافي فأصبح (كل شخص يوجد خارج بلد جنسيته أو بلد إقامته المعتادة…”.

هل تنتهي صفة اللجوء؟

 وفق للتعريف الوارد أعلاه فإن الغرض من منح صفة اللاجئ هو توفير الحماية، وتنقضي هذه الصفة بموجب الاتفاقية والبروتكول معا، في حالات معينة منها اختيار الشخص اللاجئ التمتع بحماية بلد جنسيته، بسبب زوال الخوف من الاضطهاد، أو استعادة جنسيته باختياره بعد فقدانها.

ويستمر تمتع اللاجئين بنطاق الحماية والمساعدة التي تقرها الاتفاقية حتى لو توقفت الحماية أو المساعدة دون أن تسوى حالاتهم نهائياً طبقاً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

حالات لا يمكنها التمتع بصفة لاجئ التي تقرها الاتفاقية:

لا يتمتع بصفة لاجئ وبنطاق الحماية كل من توفرت معلومات جدية بارتكابه انتهاكات جسمية للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ومنها: الجرائم ضد الإنسانية، جريمة الحرب، جريمة الإبادة الجماعية، الجرائم ضد السلام وضد تحقيق أهداف الأمم المتحدة، بما في ذلك ارتكاب جرائم غير سياسية خارج البلد الذي منحه صفة لاجئ.

هل تستحق مجموعات السوريين المحتشدة على الحدود اليونانية إطلاق صفة اللاجئين عليهم؟

معظم حالات العنف الناتجة عن النزاعات المسلحة يكون ضحاياها في الغالب من المدنيين بشكل خاص إلى جانب الأقليات وجماعات المعارضة المسلحة في المناطق المدنية، وهو ما يدفعها إلى التحرك في موجات بشرية كبيرة لا ينبغي التصدي لها بالعنف أو إرغامها على إثبات أنهم كانوا مستهدفين فردياً.

وقد استقر العرف على الاعتراف لهم جميعا بأنهم لاجئون. وقياسا على ذلك فقد أكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في موقعها على الإنترنت أن الأشخاص الفارين من سوريا تنطبق عليهم اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1951، على الرغم من وجود أكثر من 1000 مجموعة مسلحة بينهم.

إنها الحرب التي تدفع بالناس صغاراً وكباراً رجالاً ونساء لاجتياز حدود أوطانهم تاركين خلفهم ممتلكاتهم وذكرياتهم، فراراً من الموت والاضطهاد، يلتمسون الاستجابة الإنسانية بتوفير الحماية والرعاية من الدول المستقبلة لهم، ريثما تتمكن بلدانهم الأصلية من التعافي.

ويجب أن تٌحكم عمليات الاستجابة وتقديم المساعدات الإنسانية لضحايا النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعة وغيرها من حالات الطوارئ، بمبادئ الإنسانية وعدم التمييز، والحياد، التي تقرها كافة القيم والأعراف والشرائع صوناً للكرامة المتأصلة في كل فرد لكونه إنسانا.

وقد جاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 17 ديسمبر 2018 أن تقاسم المسؤوليات الإنسانية بين الدول واجب تفرضه الأزمات الإنسانية المتصاعدة في ظل شكوى الدول المستقبلة بشح مواردها عن الوفاء باحتياجات اللاجئين.

كما أن إحصاءات المفوضية ذكرت أن 80% من المهجرين قسريا – لاجئين ونازحين وطالبي لجوء – يوجدون في الدول النامية، حيث تستقبل دول مثل السودان وباكستان وتركيا، ولبنان، والأردن، وغيرها، العدد الأكبر من اللاجئين من بين دول العالم، بينما تكتفي الدول الأخرى باستقبال ما يقل عن 20%، وتقديم دعم مادي قد لا يكفي لصون الكرامة الإنسانية لأمواج اللاجئين. دعك من غياب المسؤولية التضامنية للمساهمة في معالجة جذور النزاعات المسلحة وفرض حماية حقوق الإنسان.

فإذا كان الأمر كذلك، لماذا يتضجر الغرب من موجات اللجوء وهو لا يتحمل العبء الأكبر منها؟

تعليق مباشر